السيد محمد الصدر

36

منة المنان في الدفاع عن القرآن

أقول : الأنسب في الجواب أن يُقال : بأنَّه لم يمثّل بالفيل والزرافة وغيرهما ممّا هو أعظم من الجمل ؛ لأنَّ الضخامة والكبر والصغر لا مساس لها في التمثيل ؛ فالله سبحانه قد مثّل بالنملة ؛ لأنَّه تعالى أراد إظهار قدرته ، وقدرته تتجلّى بالصغير والكبير على حدٍّ سواء . ثُمَّ إنَّ ما أفاده الرازي من أنَّ العرب لم يروا شيئاً من ذلك ولا كانوا يعرفونه لا يخلو من غرابةٍ ؛ لأنَّ العرب كانوا يعرفون الفيلة جيّداً . وقد يُقال أيضاً : لماذا مثّل بالجبال مع أنَّ العرب أيضاً لم يروها وإن كانوا يعرفونها ؟ نعم ، كان لديهم تصوّر إجمالي عن معنى الجبال ، إلّا أنَّ أغلب عيشهم وحياتهم كان في البيداء والصحراء ، وهذا ما يفسّر لنا خلوّ أشعار الجاهليّة من ذكر الجبال . ومع ذلك لنا أن نقول أيضاً بأنَّ العرب وإن لم يكن لديهم عهدٌ بالفيل والزرافة ونحوها ممّا هو أعظم من الإبل في الخلقة ، إلّا أنَّه لا بأس بأن يصوّر المولى سبحانه صوراً للدنيا تختلف عن الذوق الجاهلي المتعارف ، أي : يمكن أن لا يؤخذ الفهم المعاصر للمجتمع بنظر الاعتبار . وأمّا القاعدة القائلة بضرورة ( تكليم الناس على قدر عقولهم ) فيكفي فيها أن يكون اللفظ مفهوماً ولو إجمالًا ، مع أنَّ من الضروري الحديث مع المجتمع بغير ما هو متعارفٌ أحياناً ؛ لكي يتطوّر المجتمع بخلق مفاهيم جديدةٍ تفتح الطريق أمام حقائق غائبةٍ عن تصوّر الناس والمجتمع . ثُمَّ إنَّه يمكن أن نشير إلى الوجه في ذكر الإبل على عدّة مستويّات : المستوى الأوّل : بأنَّ الإبل من الحيوانات التي تسمع وترى وتأكل وتمشي ، وبهذا اللحاظ تتساوى مع غيرها من المخلوقات ، والله سبحانه اختار ذكر الإبل دون غيرها لأمرٍ راجع إليه ؛ فهو مختارٌ ، والمختار لا يُقال له : لم